Skip to content Skip to footer

«الغرين كارد» تحول مجتمعي

التوجه نحو إصدار «الغرين كارد» للمقيمين في السعودية على خطى كرت الإقامة للأجانب في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي كشف عنه ولي ولي العهد وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان في لقائه الشامل مع محطة تلفزيون بلومبيرج الأمريكية، ونشرته الصحف السعودية على نطاق واسع، قد أثلج صدور المقيمين الذين رحبوا به كإجراء سيريحهم من كثير من المشكلات التي يثيرها بعض الكفلاء ويسمح لهم بالخروج والعودة بشكل سلس والبقاء في الخارج ثم العودة إلى المملكة.

ويرى المقيمون أن هذه الخطوة، إن تمت، فهي ستكون الأولى من نوعها في العالم العربي خاصة دول الخليج التي تطالب الأجانب بوجود الكفيل لكي يسمح لهم بالبقاء على أراضيها.

وقد فرح المقيمون بهذا الإعلان باعتباره إجراء قانونيا إنسانيا سيخلصهم من قبضة الكفلاء الذين لم يتورع بعضهم عن استغلال العمالة الوافدة من ذوي الياقات البيضاء أو الزرقاء على حد سواء.

وعلى الرغم من أنه لم يتم حتى الآن وضع الآليات الخاصة «بالغرين كارد»، إلا أن هناك التزامات ستفرض على المقيمين في المستقبل منها على سبيل المثال الزكاة وضريبة القيمة المضافة وغيرها من رسوم.

وفي مقابل ذلك، سيستطيع الوافدون ممارسة الأعمال التجارية والصناعية وغيرها من أنشطة علنا بدلا من اللجوء إلى التستر الذي يضعهم تحت طائلة القانون.

وكان أكثر الوافدين ترحيبا بهذه الخطوة هم الذين عاشوا في المملكة لسنوات طويلة تصل إلى ثلاثين أو أربعين عاما وما زالوا يعاملون كأجانب رغم أن أطفالهم قد ولدوا ونشؤوا وترعرعوا في هذه البلاد التي لا يعرفون وطنا غيرها.

ويوجد على أرض المملكة الآن جيل رابع من المقيمين الذي قدموا لهذه البلاد خدمات لا ينكرها إلا جاحد أو حاقد رغم أن بعض الناس قد يقولون إنهم أدوا هذه الخدمات بمقابل وحصلوا على العيش الكريم الذي لم يكن يتوفر لهم في بلدانهم الأصلية مع أنه ليس في هذا ما يعيب فمن أدى عملا يؤجر عليه.

وقد قال لي أحد الهنود، بعد أن سمع بفكرة الغرين كارد السعودية، إن هذه هي بلاده الحقيقية فقد عاش معظم سنوات عمره هنا.

وقال لي مهندس فلبيني يعيش في الرياض منذ عام 1988 إن فكرة الغرين كادر ستقوي الروابط بين الوافدين والمواطنين وستؤدي إلى ارتباط المقيمين بشكل أقوى بهذه البلاد.

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فقد ظللت أكتب منذ سنوات طويلة عن إسهامات المقيمين في تنمية ونماء وازدهار المملكة وقد ارتبطت بهم بشكل وثيق، إذ كنت – بفضل الله وتوفيقه – رئيسا لتحرير الصحيفتين الإنجليزيتين في المملكة، وهما عرب نيوز وسعودي جازيت خلال الفترة من 1982 إلى 2014، وغالبا ما كان المقيمون يقصدون هاتين الصحيفتين للإعراب عن أحزانهم ومخاوفهم، وأحلامهم، وآمالهم كما كانوا ينشدون العدالة من خلالهما.

وكانت وسائل الإعلام الإنجليزية هي صوت الوافدين الذين يتعرضون للظلم والإهانات والتجريح من كفلائهم ولهذا كانوا يلجؤون إلى الصحافة الإنجليزية لبث همومهم وكربهم من معاملة بعض الكفلاء.

وقد كان، ولا يزال، حلم الكثيرين من الوافدين هو الحصول على وضع قانوني لإقامتهم بطول مدة البقاء حيث لا يحتاج الأمر في الغرب وأوروبا وأمريكا للحصول على الجنسية، وليست فقط الإقامة، أكثر من البقاء في البلد لمدة خمس سنوات دون ارتكاب أية مخالفة قانونية.

وقد اقترح بعضهم أن تتبع السعودية إجراء مماثلا وأن تكون الحكومة هي الكفيل الوحيد لهم.

وقد عكست الكلمات الافتتاحية في الصحيفتين المذكورتين إيماننا القوي بأن المملكة هي الملاذ الآمن لكل الذين يعملون على أرضها ويساهمون في عملية التنمية المستدامة بغض النظر عن جنسهم العرقي أو معتقداتهم الدينية وقد كانت هذه هي فلسفة المؤسس الملك عبدالعزيز التي تبعها أبناؤه من بعده.

وأذكر نماذج مشرفة عن ارتباط الوافدين بالسعودية منها أنه في أغسطس عام 1990 عندما قام الرئيس العراقي صدام حسين بغزو الكويت مررت بإحدى محطات البنزين في المنطقة الشرقية فوجدت أحد العمال الباكستانيين وحده يعمل في المحطة فسألته عن بقية الناس فقال لي إن كفيله قد ترك الشرقية، وعندما سألته لماذا لم تغادر أنت مثل الآخرين لتجنب منطقة الحرب قال لي إنه مولود في هذه المنطقة وإن والده لا يزال موجودا فيها وإنه لن يغادر هذه البلاد بمحض إرادته وإنه سيدافع عنها ويموت على ترابها الطاهر.

ومع التغييرات المتسارعة في العالم من حولنا ومع بلوغ العولمة ذروتها أعتقد أن الوقت قد حان لكي نستفيد نحن أيضا من العمالة الوافدة الموجودة في بلادنا والتي يقدر عددها بأكثر من عشرة ملايين.

وفي هذا الإطار، فإن أمريكا، الدولة المتقدمة أصلا، قد وصلت إلى ما وصلت إليه بفضل استيعاب العمالة المهاجرة التي رفدت قيمة إضافية لاقتصادها ونظامها الاجتماعي. وللعلم فقط فإن 51 % من أثرياء أمريكا هم من حملة الغرين كارد أي إنهم وافدون أجانب.

نعم، إن السعودة هي الهدف المنشود لكننا لا يمكن أن نكون مجرد أرقام أنظمة تحتاج إلى الاحترافية والمؤهلات العالية والخبرات الكبيرة. وهذه الأنظمة تتطلب استخدام الكثير من التكتيكات من أجل الوصول إلى استراتيجية شاملة تمكننا من التنافس في هذا العالم شديد المنافسة، والغرين كارد هو أحد الأساليب التي ستمكننا من بلوغ هذه الغاية.

ولا شك أن إقرار وتطبيق الغرين كارد سيحدث التحول المجتمعي الذي هو جزء لا يتجزأ من عملية التحول الوطني التي يتبناها ولي ولي العهد.

خالد عبدالرحيم المعينا

Leave a comment