Articles

فلنجعل رؤية 2030 هدفا وواقعا

خالد المعينا

ذكرت أنباء صحفية أن الحكومة ستبدأ في صرف متأخرات المقاولين خلال الأسبوعين المقبلين أو على الأقل 80% منها، وهي نسبة غير قليلة.
وقال فهد الحمادي رئيس لجنة المقاولين إن نحو 40 مليار ريال من هذه المتأخرات تم صرفها بالفعل، وطالب بصرف المبالغ المتبقية بأسرع وقت ممكن، إنفاذا لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز يحفظه الله.

ومطالبة رئيس اللجنة معقولة ومقبولة ومشروعة، حيث إن التأخير في صرف المستحقات المالية خلق مشاكل وأحزانا وصعوبات لقطاع عريض من العمال، وأصحاب الأعمال، والموردين والمصارف وحتى اقتصادنا الوطني نفسه، كما أنه قد أضر بسمعتنا في الخارج، خاصة أن هذه المتأخرات طالت المستثمرين الأجانب أيضا.

والواقع أن ثقافة تأخير المدفوعات قد وسمت بلادنا لردح طويل من الزمن حتى عندما كانت أسعار النفط مرتفعة. ويبدو أن هذه الثقافة السلبية قد ولدت من رحم المخالفات والفساد، وسوء الإدارة واختفاء الرحمة من قلوب كثير من العاملين في مجال الأعمال، والتجارة، والمال والاستثمار.

ولا يخفى على أحد أن البيروقراطيين، حتى الصغار منهم، يمكن من خلال سلوكهم المستقيم أو الأعوج أن ينجحوا أي مشروع أو يفشلوه مهما كان حجم هذا المشروع وقيمته وأهميته للتنمية والاقتصاد الوطني. ومن المهم في هذا المنحنى الخطير في وقت هبطت فيه أسعار البترول وتأثرت بالتالي احتياطاتنا من النقد الأجنبي أن تبادر وزارة المالية بإدارة التدفقات المالية بشكل يمكن من دعم وتعزيز اقتصادنا الوطني حتى لا يكون في مهب الريح.

ونحن - الحمد لله - ما نزال بخير وفي وضع اقتصادي سليم، حيث يقول تقرير صحيفة محلية أخرى إن احتياطات المملكة من النقد الأجنبي يمكن أن تغطي أي عجز في الميزانية لسبع سنوات مقبلة.

لكن لا يجب أن ننتظر هذا الوقت ليحدث، وليس لائقا أن نركن إلى أموال الأجيال القادمة في تغطية عجز الموازنة.
نحن بحمد الله وفضله لا يزال لدينا فائض في الصادرات النفطية، كما أن صادراتنا غير النفطية تدر علينا أموالا طائلة، كما لدينا مصادر أخرى كثيرة ومتنوعة للدخل.

إن رؤية المملكة 2030 واضحة وصريحة وشفافة، لكننا نحتاج إلى ميزانيات متوازنة، وإلى الإحساس بالمسؤولية المالية وإلى وقف التبذير التفاخري والإنفاق في غير محله، كما أننا في حاجة إلى وضع التكاليف الحقيقية للمشروعات.

وعلينا أن نطبق المعايير الدولية الصارمة في هذا المجال، كما علينا تغيير النمط الذي كان سائدا في السابق، حيث كانت الشركات الكبرى تتحكم في المشهد، وأن نجعل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تلعب دورها المأمول في الاقتصاد الوطني.

إن رؤية 2030 تحتم علينا تغيير الكثير من أساليبنا المالية التي كانت سائدة في السابق وأن ننوع مصادر الدخل ونرشد الإنفاق.
إن الرؤية وثيقة هامة للأجيال الحاضرة والمستقبلية التي ستجعل اقتصادنا الوطني يقف على أرض صلبة وتدخلنا إلى مصاف الدول المتقدمة إن نحن أحسنا تنفيذها وجعلناها نبراسا نحتذي به في سلوكنا المالي والاقتصادي.

وهذه الرؤية هي أمل المستقبل وشعلة الضوء التي ستنير لنا الطريق نحو عالم من الرخاء والرفاهية والاستقرار المالي والاقتصادي. ولكن لهذه الرؤية متطلبات وأساليب يجب الأخذ بها وتطبيقها بكل أريحية وإيجابية، ولعل أول هذه المتطلبات أن نوجد مناخا من التفاؤل الذي لا تفت في عضده الإشاعات المغرضة والأقاويل الكاذبة، وأن نقوم بتحديث الوزارات والإدارات الحكومية بحيث تكون قادرة على استيعاب الرؤية وتنفيذها وأن تجعل منها هدفا وغاية وواقعا.
إن التاريخ لن يرحمنا إذا قصرنا في حق الرؤية أو تجاهلنا غاياتها وتقاعسنا عن تنفيذها فهي حلم طال انتظاره وقد جاء أخيرا واقعا معاشا وليس خيالا فانتازيا.

View Comments