Articles

لماذا التخوف من وصول ترامب للبيت الأبيض؟

خالد المعينا

دائما ما تدهشني ردة الفعل العربية على الانتخابات الرئاسية الأمريكية ونتائجها. وشهد هذا العام فوز دونالد ترامب الغريب على المشهد السياسي الأمريكي على منافسته هيلاري كلينتون التي كانت المرشحة المفضلة لدى العرب.
وهذا الرجل الذي لم يسبق له شغل أية وظيفة عامة سواء في الحكومة أو الجيش، ورغم بعده عن السياسة إلا أنه استطاع هزيمة هيلاري كلينتون السياسية المحنكة وذلك لأن الناخب الأمريكي كان يرغب في التغيير كما أن شعبوية ترامب راقت له كثيرا.
وقد كانت دهشة العرب بفوزه كبيرة كما أنهم، خاصة في الدول الخليجية، لم يخفوا صدمتهم وخذلانهم.
وتعليقا على الصدمة والحزن بفوز ترامب وهزيمة غريمته، قال لي مواطن أمريكي عليكم أيها الشعوب العربية أن توحدوا مواقفكم، وأن تتذكروا دائما أن الانتخابات في أمريكا توجهها وتحدد مسارها الأمور والقضايا الداخلية.
وشخصيا لن يقلقني صعود ترامب على الإدارة الأمريكية، ولن أقضي الليالي ساهرا من أثر الحزن والصدمة، فبالنسبة لي كلا المرشحين وجهان لعملة واحدة، وليس فيهما من هو أفضل من الآخر خاصة بالنسبة للأمة العربية الإسلامية.
فهيلاري كلنتون، التي خسرت سباق الرئاسة، ساندت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 كما قامت بقصف ليبيا. ويفضح موقع ويكيليكس على الانترنت دورها المظلم من النزاع في سوريا، كما أنها قالت على رؤوس الأشهاد إن أول ضيف من الخارج ستستضيفه في البيت الأبيض إن فازت هو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وترامب ليس ساذجا كما قد يبدو، وإذا تغاضينا عن حركاته الكوميدية وتصريحاته المثيرة للجدل خلال الحملة الانتخابية سنجد أن الرجل له سياسته التي سيلتزم بها ومخططاته وأجندته التي سيعمل على تنفيذها.
وتتضح هذه الأجندة من تعييناته الأخيرة التي أزعجت الرأي العام الأمريكي الذي لا يزال ينظم المظاهرات هنا وهناك احتجاجا على فوزه.
فكبير موظفي البيت الأبيض عنده هو بريبس، وكبير مستشاريه هو ستيف بانون وهما شخصيتان كانتا موضوع برامج الحوار في محطات التلفزة الأمريكية.
وبانون، المعروف بالذكاء والدهاء، هو شخص عنصري وضد الإسلام والمسلمين، كما أنه معروف بعدائه للسامية.
وقالت نانسي بيلوسي زعيمة الأقلية في الكونجرس، إن هذه التعيينات حقا مزعجة.
وشخص آخر يتردد اسمه في دوائر ترامب هو ريتشارد جرينيل، الدبلوماسي الأمريكي في الأمم المتحدة الذي سيكون ممثل أمريكا في المنظمة الدولية، وهو من أكبر الداعمين لإسرائيل كما أنه ناقد كبير لسياسة باراك أوباما الخارجية خاصة فيما يتعلق بالاتفاق النووي مع إيران، وهو أكثر يمينية وتطرفا من جون بولتون المندوب الأمريكي السابق في الأمم المتحدة.
وكيفما كان الحال ومهما كانت الشخصيات التي سيعينها ترامب في إدارته فهذا شيء لا يعنينا ولا يخصنا وعلينا عوضا عن الاهتمام بهذا الأمر وتمضية الوقت في مناقشته وتحليله، الاهتمام بترتيب بيتنا من الداخل والالتفات لأمورنا وقضايانا الخاصة.
وعلينا أن نتعلم من أخطائنا السابقة، وألا نضع كل البيض في سلة واحدة، ويجب ألا تقتصر علاقاتنا على ساكن البيت الأبيض بل تمتد إلى الشعب الأمريكي كله بكافة قطاعاته وبالكونجرس، والأكاديميين، والاتحادات، والنقابات وغيرها من منظمات مدنية.
لقد أهملنا كثيرا الأمريكيين الأفارقة، واللاتينيين، والإسبان، والآسيويين والأقليات الأخرى.
وقد حان الوقت لبناء جسور التفاهم مع كل هذه الأعراق، كما حان الوقت للاستغناء عن شركات العلاقات العامة التي تعاقدنا معها لتحسين صورتنا، وهي في الواقع تمتص دماءنا دون أن تفعل لنا شئيا.
ويمكننا أن نستعيض عن هذه الشركات ببرامجنا الخاصة للوصول إلى الشعب الأمريكي، فهو رغم تنوعه واختلاف جذوره العرقية، شعب طيب وعادل في المجمل.
ويجب أن يفهم هذا الشعب رسالتنا الواضحة بعلاقاتنا التاريخية المتجذرة وشراكتنا المستمرة ومصالحنا المشتركة.
ويبدو أن الفشل كان حليفنا في فهم التغيرات الجديدة في مجال الاتصالات، كما يبدو واضحا أيضا أننا قد نسينا أو تغافلنا عن ظهور لاعبين جدد في المسرح السياسي الأمريكي.
وفي هذا الإطار يجب أن تفهم أمريكا بكل وضوح أننا لسنا تابعين لها، ونحن لا نعتمد عليها اعتمادا مطلقا في الدفاع عنا. ونحن أمة تعتز بنفسها وتاريخها، وهي قد ساهمت بفاعلية في النظام الدولي وستستمر في عمل هذا.
ويجب على أمريكا أن تفهم وتعي جيدا أن الشراكة المتساوية، والقائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، ستكون أكثر نفعا وفائدة من نظرتها المتعالية لنا، ومحاولة الهيمنة على مقدراتنا.
ومن أجل الوصول إلى هذا، علينا أن نكون أقوياء وأصحاب رسالة واضحة يفهمها العالم كله وليست أمريكا وحدها.
عليه فلا يجب أن يكون وصول ترامب للبيت الأبيض مدعاة للخوف والقلق وسهر الليالي، فساكن البيت الأبيض ليس ديكتاتورا مطلق اليد، لأن أمريكا دولة مؤسسات ديمقراطية.
ونحن إذ نتمنى لترامب حظا سعيدا، لنرجو أن يعمل على تعزيز الأمن والسلام ليس في أمريكا فحسب بل في كل أرجاء المعمورة.

View Comments